المركز الإعلامي - المقالات


                                                                                        article image

حين يصبح العطاء استثمارًا في العمل اللائق

قراءة في أثر الدورة السابعة "لجائزة مصر الخير لريادة العطاء الخيري والتنموي المستدام" على الهدف الثامن للتنمية المستدامة

المركز العربي لاستدامة العمل الأهلي

134 منظمة أهلية، و9 محافظات مصرية ، و1200 فرصة عمل. ماذا تقول أرقام الجائزة عن قدرة العمل الأهلي على الإسهام في العمل اللائق والنمو الاقتصادي؟

 

يطرح العمل الخيري سؤالًا مهمًا: هل يقتصر دوره على تلبية احتياجات اليوم، أم يسهم في بناء حلول مستدامة للمستقبل؟ من هنا جاءت "جائزة مصر الخير لريادة العطاء الخيري والتنموي المستدام"، التي وصلت إلى دورتها السابعة، وربطت المبادرات المجتمعية للمنظمات الأهلية بالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، بما يتماشى مع "رؤية مصر 2030". وتستعرض هذه المقالة أبرز ما كشفت عنه الدورة من نتائج وأرقام وتجارب يمكن البناء عليها مستقبلًا.

من التكريم إلى منظومة تطوير

لم تعد الجائزة منصة للتكريم فقط، بل صارت أداة لتغيير بيئة العمل الأهلي ومنظومة لتطويره. وتستند فلسفتها، كما صاغها الدكتور علي جمعة، إلى مبدأ "عمارة الأرض"، أي تحويل المعرفة والأفكار التنموية إلى واقع ملموس يحقق النفع العام. ويرى هذا المبدأ أن استمرار العطاء والتعمير "حجة على كل مظاهر الإفساد أو التدمير"، فالبناء المستمر هو الرد العملي على الهدم. كما جاءت هذه الدورة ترجمة تنفيذية لـ"وثيقة الرؤية المجتمعية لتنمية وتطوير قطاع المنظمات الأهلية في مصر" الصادرة عن المركز العربي لاستدامة العمل الأهلي.

لماذا الهدف الثامن؟

يدعو الهدف الثامن إلى نمو اقتصادي مطّرد وشامل ومستدام، وإلى العمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق للجميع. ومن غاياته دعم الأنشطة الإنتاجية وريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، وخفض نسبة الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب. والمنظمات الأهلية غالبًا أقرب إلى الفئات المستهدفة من غيرها، فتصل إلى مجتمعات لا تصل إليها الأدوات التقليدية بسهولة. ومن هنا تأتي أهمية أن تقيس الجائزة أثر المشروعات على التشغيل والدخل، وليس على عدد المستفيدين فقط.

قراءة في أرقام الدورة السابعة للجائزة:

تقدمت 134 منظمة أهلية تمثل 9 محافظات. ثم تأهلت 63 منظمة بمشروعاتها إلى مرحلة المطابقة الميدانية، وبلغت 18 منظمة أهلية مرحلة العرض والتقييم امام لجنة تحكيم مستقلة ، وانتهى الأمر بتتويج ثلاثة مراكز فائزة. فالجائزة طبّقت معايير تصفية لضمان جودة المشروعات ذات الأثر الاقتصادي، فالمنافسة هنا على القدرة على تحقيق استدامة حقيقية، وليس على الفكرة وحدها.

والأهم أن قيمة الجائزة لا تقتصر على الفائزين. فكل جمعية تتخطى مرحلة الفرز الأول تتلقى تدريبًا متخصصًا في مفاهيم التنمية المستدامة وأهدافها. وتحصل كل منظمة على تقرير تحليلي للأداء يحدد نقاط قوتها وفجوات التطوير لديها، ويصلح وثيقة استشارية للإصلاح المؤسسي الداخلي. بهذا المعنى، تتحول المسابقة إلى مسار تعلّم يخرج منه المشارك أقوى مما دخل.

قصص نجاح تنموية: من الاحتياج إلى الأثر المستدام

تجسدت القيمة العملية للجائزة في نماذج الجمعيات الفائزة، التي حولت احتياجات مجتمعاتها المحلية إلى مشروعات إنتاجية وفرص عمل مستدامة.

فقد قدمت جمعية الرحمة الخيرية بشبين الكوم بمحافظة المنوفية، الفائزة بالمركز الأول، نموذجًا للتمكين الاقتصادي للأشخاص ذوي الهمم، من خلال تدريبهم على عدد من الحرف التراثية، مثل السجاد والخزف، بما ساعد على تعزيز مشاركتهم في المجتمع وتحويلهم من متلقين للخدمة إلى عناصر منتجة.

وفي المركز الثاني، قدمت جمعية أفضل لتنمية المجتمع بالسوالم البحرية بمحافظة أسيوط نموذجًا في التنمية الزراعية من خلال تطوير سلسلة قيمة النباتات الطبية والعطرية واستخلاص الزيوت، بما أسهم في توفير أكثر من 800 فرصة عمل ودعم نحو 10 آلاف مزارع.

أما جمعية تنمية المجتمع المحلي بالبشندي بمحافظة الوادي الجديد، الفائزة بالمركز الثالث، فعملت على إعادة إحياء حرفة الكليم والسجاد اليدوي التراثية، ووفرت مصدر دخل مستقرًا لعدد من الأسر.

وتوضح هذه النماذج أن أثر العمل الأهلي لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، وإنما بقدرته على خلق فرص عمل، وتحسين الدخل، وبناء قدرات مستدامة يمكن أن يستمر أثرها داخل المجتمع.

ويمكن تلخيص مصفوفة الأثر في أربعة محاور:

·       مشروعات كثيفة العمالة: تدعم التمكين الاقتصادي المباشر وتوفر فرص العمل.

·       رصد وتكريم أفضل الممارسات: يعزز قابلية التكرار (Replicability) ويحول النجاح إلى نموذج يُحتذى.

·       إدماج الشباب في التنفيذ الميداني: يضمن استدامة سلاسل القيمة للخدمات التنموية ويسهّل نقل الخبرات.

·       التوافق مع الهدف الثامن: يواءم العمل الأهلي مع الأجندة الوطنية والدولية للتنمية.

الجائزة بوصفها مختبرًا للسياسات:

تجاوزت الجائزة دور التكريم إلى دور مختبر لتطوير الأداء. فمن خلال الموائد المستديرة للخبراء، يُنتج في كل دورة "ورقة سياسات" تُرفع إلى صناع القرار المعنيين. وبذلك ينتقل المجتمع المدني من دور المنفذ إلى دور الشريك في رسم السياسات التنموية، وتتحول الخبرة الميدانية إلى توصيات قابلة للتبني.

ما يمكن البناء عليه:

تدعم نتائج هذه الدورة أربع خلاصات: انتقال المبادرات الفردية المؤقتة إلى كيانات مستدامة ذات هياكل إدارية وفنية قوية، وقابلية الممارسات الناجحة للتوسع والتكرار في أقاليم أخرى، وتحسن الحوكمة والشفافية بما يزيد قدرة المنظمات على جذب الشراكات، وتكامل الأدوار التنموية في مواجهة البطالة وتعزيز الأمان المجتمعي. وللبناء على هذه الخلاصات، يمكن التفكير في أربع خطوات:

  1. قياس جودة الوظائف إلى جانب عددها: مثل الاستقرار والدخل والحماية، ومتابعة هذه المؤشرات بعد مرور عام أو عامين على المشروع.
  2. توثيق الممارسات الفائزة في أدلة مبسطة: تتيح للمنظمات الأصغر في محافظات أخرى تكرارها دون البدء من الصفر.
  3. ربط ورقة السياسات بآلية متابعة: لرصد ما يُؤخذ به من توصياتها.
  4. توسيع التغطية الجغرافية: لتشمل محافظات أكثر من التسع المشاركة، فتزداد فرص الوصول إلى الفئات الأقل حظًا.

خاتمة:

تجربة الدورة السابعة من جائزة مصر الخير لريادة العطاء الأهلي والتنموي المستدام تقول إن العمل الأهلي يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في النمو الاقتصادي حين يُدار بمنهج مؤسسي، ويُقاس أثره بدقة، ويُربط بسياسات عامة. وهذا هو المعنى العملي لـ"عمارة الأرض": عطاء لا ينقطع، يبني الإنسان ويصنع فرص العمل اللائق.