سراب التجديد: عندما تعيد التنمية تدوير مفاهيمها القديمة تحت مسميات جديدة
سراب التجديد: عندما تعيد التنمية تدوير مفاهيمها القديمة تحت مسميات جديدة
بقلم د/محمد ممدوح عبدالله
رئيس قطاع تطوير الجمعيات الأهلية بمؤسسة مصر الخير
يشهد مجال التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية في السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة تتمثل في إعادة إنتاج المناهج والأساليب التنموية ذاتها، ولكن تحت مسميات جديدة تُضفي عليها هالة من الحداثة والابتكار. وبينما قد يبدو هذا التحول في الظاهر مجرد تطوير لغوي أو اجتهاد في الصياغة، فإنه في العمق يعكس أزمة بنيوية في الفكر التنموي المعاصر، قوامها ضعف القدرة على إنتاج أفكار جديدة، مقابل ميل واضح إلى إعادة تدوير القديم في قوالب لغوية براقة.
هذا “التجديد الشكلي” لا يقتصر على المصطلحات، بل يمتد ليغطي عجزًا عن تحقيق نقلة نوعية في الفلسفة التنموية نفسها، حيث يتم الإبقاء على الجوهر كما هو، مع تغيير الغلاف فقط.
تعتمد هذه الظاهرة على استنساخ الفلسفة التنموية ذاتها والمراحل التطبيقية نفسها، مع استبدال المصطلحات بأخرى أكثر جاذبية. فمفهوم (التنمية المجتمعية بالمشاركة) الذي ظهر في ستينيات القرن الماضي، يُعاد تقديمه اليوم تحت مسميات مثل ( التمكين المحلي) أو (المرونة المجتمعية) أو (التنمية المعتمدة على الذات).
ورغم اختلاف الأسماء، فإن الآليات الجوهرية لم تتغير: تحليل الاحتياجات، تعبئة الموارد المحلية، وبناء القدرات.
وبالمثل، فإن (التخطيط التشاركي) الذي برز في سبعينيات القرن العشرين، لم يخرج في مضمونه عن كونه نفس منهجيات (التخطيط من القاعدة إلى القمة)، لكنه يُعاد طرحه اليوم تحت مسميات مثل (التصميم المشترك للحلول)أو (التخطيط التشاركي المعزز).
ما نشهده هنا ليس تطورًا حقيقيًا، بل إعادة تغليف للمفاهيم القديمة بما يتماشى مع الموضات الفكرية السائدة.
الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض المبادئ الأساسية التي ترسخت في إدارة التنمية عبر عقود طويلة، والتي أصبحت من المسلمات المهنية، يجري اليوم إعادة تقديمها وكأنها اكتشافات حديثة.
مثل:
· أهمية الاعتماد على الأدلة والمؤشرات
· إجراء الدراسات القبلية
· تعزيز المشاركة المجتمعية
· التركيز على الفئات المهمشة
· استثمار الموارد المحلية
هذه ليست ابتكارات جديدة، بل هي شروط أساسية لا يمكن تصور عملية تنموية ناجحة بدونها. ومع ذلك، يتم أحيانًا تسويقها ضمن أطر مفاهيمية جديدة، وكأنها نتاج جهد بحثي معاصر، وهو ما يعكس خللًا في الذاكرة المؤسسية للمجال.
لا يقتصر الأمر على مفاهيم التنمية العامة، بل يمتد أيضًا إلى أدوات التقييم وإدارة المشاريع.
فـ (التقييم بالأهداف) الذي ارتبط بأعمال بيتر دراكر، تطور شكليًا إلى ما يعرف بـ (التقييم بالأثر)، ثم إلى (نظرية التغيير) ورغم ما قد تحمله هذه النماذج من تحسينات تقنية، فإن جوهرها لا يزال قائمًا على فكرة واحدة: قياس الفجوة بين المخطط والمتحقق.
كذلك، فإن الإطار المنطقي، الذي شكّل لعقود العمود الفقري لإدارة المشاريع التنموية، أعيد تقديمه اليوم تحت مسميات مثل (الإدارة التكيفية) أو (المنهجيات الرشيقة)
ورغم أهمية المرونة، فإن المراحل الأساسية- التخطيط، التنفيذ، الرصد، والتقييم- لم تشهد تحولًا جذريًا.
تشير الأدبيات العلمية إلى أن هذه الظاهرة ترتبط بما يمكن تسميته بـ(موضات الإدارة التنموية)، حيث تسعى بعض المنظمات الدولية ووكالات التمويل إلى تقديم نفسها باعتبارها حاملة لأدوات مبتكرة، بما يبرر استمرار التمويل وتجدده.
وفي هذا السياق، يمكن استدعاء طرح توماس كون في فلسفة العلم، الذي أشار إلى أن كثيرًا من التغيرات داخل الحقول المعرفية ليست ثورات حقيقية، بل مجرد (حل للمشكلات داخل النموذج القائم ولكن بلغة جديدة)
بمعنى آخر، نحن أمام تغيير في الخطاب، لا في النموذج.
الآثار السلبية: تكلفة التجديد الزائف
تحمل هذه الظاهرة مجموعة من الآثار السلبية على الممارسة التنموية، من أبرزها:
1. تشتيت الفاعلين التنمويين
حيث تنشغل المؤسسات بتعلم مصطلحات جديدة بدلًا من تحسين جودة تدخلاتها.
2. إخفاء الإخفاقات الحقيقية
إذ يتم تغيير أسماء المناهج بدلًا من تقييمها نقديًا والاعتراف بقصورها.
3. فقدان الثقة المجتمعية
حيث تدرك المجتمعات المحلية أن الخطاب يتغير بينما الواقع لا يتبدل، مما يقلل من حماسها للمشاركة.
4. هدر الموارد
إذ تُنفق أموال وجهود كبيرة على التسويق المفاهيمي بدلًا من تطوير حلول فعالة.
نحو تجديد حقيقي: ما الذي نحتاجه؟
إن تجاوز هذا المأزق لا يتطلب مزيدًا من المصطلحات، بل يتطلب شجاعة فكرية ومهنية حقيقية، تقوم على:
· مراجعة الفرضيات الأساسية للنماذج التنموية
· اختبارها في سياقات مختلفة بصرامة علمية
· الاعتراف الصريح بما فشل منها
· تطوير بدائل جذرية، لا مجرد بدائل لغوية
التجديد الحقيقي لا يحدث عندما نغيّر الاسم، بل عندما نغيّر طريقة التفكير.
في ظل استمرار هذه الدائرة المغلقة، تبقى التنمية مهددة بأن تتحول إلى عملية إعادة إنتاج مستمرة للماضي، بدلًا من أن تكون أداة لصناعة المستقبل.
وما لم يتم كسر هذا النمط، ستظل المجتمعات تنتظر تحولًا حقيقيًا، بينما يُقدَّم لها سراب يُسمى (ابتكارًا).
