مقال بعنوان :"السلام والأمن المجتمعي: نحو استراتيجية وطنية في زمن الاضطراب"
مقال بعنوان "السلام والأمن المجتمعي: نحو استراتيجية وطنية في زمن الاضطراب"
بقلم الدكتور / محمد ممدوح عبدالله
رئيس قطاع تطوير الجمعيات الأهلية بمؤسسة مصر الخير
في ظل حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي يشهدها العالم اليوم، والتي امتدت آثارها لتطال العالم أجمع، تبرز الحاجة الملحة لإطلاق استراتيجية وطنية شاملة للسلام والأمن المجتمعي فلم تعد مفاهيم الأمن تقتصر على الحماية العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل تشمل بشكل أساسي الأبعاد المجتمعية والنفسية والثقافية التي تشكل حصانة المجتمعات في وجه التحديات المعاصرة وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية في قدرتها على تقديم استجابة فعالة للتحديات الثقافية والاجتماعية العالمية المتسارعة وانعكاستها محليا ، من خلال إطار استباقي يعمل على توطين السلام المجتمعي وبناء المرونة الداخلية كما تمثل هذه الاستراتيجية حلقة وصل حيوية تربط بين عدد من الاستراتيجيات الوطنية التي تم إصدارها من قبل، مثل استراتيجية الشباب اوحقوق الانسان اوالضبط السكاني ..الخ وغيرها من الاستراتيجيات الوطنية، حيث تعمل تلك الاستراتيجية المقترحة على تنسيق الجهود وسد الثغرات التي قد تكون موجودة بين الاستراتيجيات الوطنية، لضمان تكامل الرؤى وتعظيم الأثر.
وتتسق الدعوة إلى تبني استراتيجية وطنية للسلام والأمن المجتمعي مع عدد من أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة ضمن أجندة 2030، وعلى رأسها الهدف السادس عشر (العدل، السلام، والمؤسسات القوية) الذي يؤكد أهمية بناء مؤسسات فعّالة وشاملة قادرة على تعزيز السلام والاستقرار داخل المجتمعات.
وتأتي أهمية هذه الاستراتيجية من إنها ستتناول قضايا جوهرية غالبا ما تغفل أو لا تأخذ حظا كافياً من الاهتمام في الخطط التقليدية، رغم كونها أساساً للسلام الاجتماعي الحقيقي فمن المقترح أن تركز تلك الاستراتيجية علي تعزيز مفاهيم المواطنة الفاعلة والانتماء، وتعمل على نشر ثقافة التسامح ونبذ خطاب الكراهية بكافة أشكاله كما تهدف إلى تعزيز الهوية المحلية الأصيلة في مواجهة تأثيرات العولمة الثقافية الجارفة، والحفاظ على تماسك النسيج المجتمعي وحمايته من عوامل التفتيت. وتمتد رؤية الاستراتيجية المقترحة لتشمل تحويل الإعلام إلى أداة تنموية بناءة، وتعزيز المشاركة المجتمعية الفعلية للمواطنين في القرارات التي تمس حياتهم ولا تتوقف عند هذا الحد، بل تتعامل مع ظواهر حديثة ومعقدة مثل تأثيرات التكنولوجيا والتحول الرقمي على التماسك الاجتماعي، وتسعى لسد الفجوات بين الأجيال وبناء حوار بناء بينها، وتولي اهتماماً خاصاً للمعالجة التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأجيال الحالية، وخاصة الشباب، في ظل الضغوط المتسارعة والمتغيرات التي يشهدها العالم.
ومن أجل تغطية هذه القضايا الشاملة، نقترح أن تعمل الاستراتيجية عبر عدة محاور مترابطة يشمل المحور التشريعي والمؤسسي تطوير الأطر القانونية الداعمة للسلام الاجتماعي وإنشاء هيئة وطنية تنسيقية بينما يركز المحور التربوي والتعليمي على إدماج قيم السلام والتسامح في المناهج وإعداد الكوادر القادرة على نقل هذه القيم ويهتم المحور الثقافي والاجتماعي بدعم المبادرات المجتمعية وإحياء القيم الإيجابية أما المحور الإعلامي فيعمل على تطوير خطاب إعلامي مسؤول وإنشاء منصات حوار وطني. ويأتي المحور الاقتصادي والتنموي لربط الاستقرار الاجتماعي بتحقيق العدالة في الفرص وتقليل الفجوات الاجتماعية وأخيرا، يهتم المحور النفسي والدعم الاجتماعي بتوفير شبكة أمان نفسي ومجتمعي عبر مراكز متخصصة وبرامج دعم.
وللخروج بتلك الاستراتيجة نقترح الآلية التالية ألاوهي إتباع مسارا تشاركيا دقيقا يبدأ بمرحلة التشخيص الشامل للواقع المجتمعي، تليها مرحلة التشاور المجتمعي الواسع مع جميع الفئات، ثم مرحلة الصياغة الفنية بمشاركة الخبراء، فمرحلة الاعتماد الرسمي، ومن ثم وضع خطط التنفيذ الواقعية مع مؤشرات قياس واضحة، وتنتهي بآليات للمتابعة والتقييم الدوري لتطوير الاستراتيجية باستمرار.
وبهذا الشكل، يمكن للاستراتيجية الوطنية للسلام والأمن المجتمعي أن تشكل حجر الزاوية في بناء مجتمع متماسك وقادر على الصمود في عالم مليء بالتحديات والتحولات الخطيرة المهدده لسلامة المجتمعات .
